الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

237

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب ذُو الْجَلالِ ، أي العظمة و الْإِكْرامِ ، أي المنعم على عباده وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإكرام في عرف اللغة ، وإنما يضاف للإكرام اليد ، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه ، وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفي الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإحسان . وتفريع فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إنما هو تفريع على جملة وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ كما علمت من أنه يتضمن معاملة خلقه معاملة العظيم الذي لا تصدر عنه السفاسف ، الكريم الذي لا يقطع إنعامه ، وذلك من الآلاء العظيمة . [ 28 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 28 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) تكرير كما تقدم وهذا الموقع ينادي على أن ليست هذه الجملة تذييلا لجملة كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن : 26 ] ، ولا أن جملة كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ تتضمن نعمة إذ ليس في الفناء نعمة . [ 29 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 29 ] يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . استئناف ، والمعنى أن الناس تنقرض منهم أجيال وتبقى أجيال وكل باق محتاج إلى أسباب بقائه وصلاح أحواله فهم في حاجة إلى الذي لا يفنى وهو غير محتاج إليهم . ولما أفضى الإخبار إلى حاجة الناس إليه تعالى أتبع بأن الاحتياج عام أهل الأرض وأهل السماء . فالجميع يسألونه ، فسؤال أهل السماوات وهم الملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ويسألون رضى اللّه تعالى ، ومن في الأرض وهم البشر يسألونه نعم الحياة والنجاة في الآخرة ورفع الدرجات في الآخرة . وحذف مفعول يَسْئَلُهُ لإفادة التعميم ، أي يسألونه حوائجهم ومهامهم من طلوع الشمس إلى غروبها . كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . يجوز أن تكون الجملة حالا من ضمير النصب في يَسْئَلُهُ أو تذييلا لجملة يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أي كلّ يوم هو في شأن من الشؤون للسائلين وغيرهم فهو تعالى يبرم شئونا مختلفة من أحوال الموجودات دواما ، ويكون كُلَّ يَوْمٍ ظرفا متعلقا